مذكرات دينار

خليل
 


تتقاذفه الأيدي ... صغيرة وكبيرة ... قوية وضعيفة ...
في يوم مولده وإخوانه التوائم التي لا تعد ولا تحصى خرج سعيداً ...
يتعانق معهم " في رزمة" واحدة ضمن رزم أخرى كثيرة ... ملتصقين مترابطين في طريقهم إلى أحد البنوك... بداية طريق المعاناة ...
أودع الناقلة التي أقلنه بتؤدة وباتت تهدهده كطفل رضيع ... حتّى وصل إلى مقر إقامته الجديد المؤقت حيث تلتقطه الأيدي بلطف وتضعه في الخزنة ويغلق عليه الباب لتطبق عليه عتمة موحشة ... لا يؤنسه فيها إلا أنه ما زال بين أقرانه في عناق حميم ... لا يعرف أي مصير ينتظره ...
ينظر حوله يحاول أن يعَوّد نظره ذاك الظلام ... يبصر خلاله دنانير كثيرة .. منها ما هو ممزق ومنها ما هو على هيأته والبعض الآخر بين الحياة والموت يراها من خلال بصيص النور المنبثق من تلك الكوة الصغيرة "خرم المفتاح" ... ينظر إلى هندامه فيراه مرتباً نظيفاً .. فيجول ببصره في تلك الدنانير المهترئة ويرجع إلى نفسه مبتسماً بنرجسية بحتة ...


- لا تعجب بنفسك وهندامك كثيراً صوتا قطع السكون " فما أنت إلا أحد .... "
- سترى العجب العجاب " صوت دينار آخر " ...
- الناس لن ترحمك " صوت آخر بلون مختلف " ...
- الناس .. الناس .. من الناس ؟!! " يتحاورون والدهشة ترتسم على محياه" ...
- إنّك لا تعرف شيئا " قال أحد الدنانيرضاحكاً " كنا كذلك من قبل ... لا تعجل فغداً عندما تخرج من هنا ستتمنى أنك لم تولد قط ...
- حدثني يا أبت عن معاناتك وما واجهته من هؤلاء الذين تسميهم الناس ...
- آآآآآآآآآآآآآه "خرجت من صدره بحسرة لافحة " .. ماذا أقول وعن ماذا أحدثك يا بني ؟...
- قل .. قل فهناك متسع من الوقت ... دعنا نسرق الوقت بالذكريات ...
- متسع من الوقت!! .. هأ .. إبتسامة هزيلة من وجه مصفر ...
يشعر الدينار الجديد بقشعريرة تهزه هزاً ولكنه يعاود الحديث بشغف وحب للمعرفة ويقول:
- بالله عليك يا أبتي إلا ما أخبرتنا عن بعض من معاناتك اليومية مع الناس ... أريد ان أعرف المصير الذي يتربصني ...
-لا عليك يا بني فهذه سنة الحياة ... أدع الله أن يخفف عنك وأن يقويك على تحمل مشاق الحياة ...
حدثني ... حدثني .. قالها بتلهف شغوف ...


"اعتدل الدينار في جلسته وهيأ نفسه للحديث " ...
.....

-اسمع يا بني : ....

في أول يوم لي كنت مثلك هكذا جميلاً نظيفاً أعيش مع إخوتي في هذه الخزنة في أمان الله ... ونحن في هذه البحبوحة امتدت يد واقتلعتني وبعض إخوتي وإذا بنا بين يدي موظفة الحسابات تقلبنا بين أناملها الناعمة تدغدغنا بلطف وكأنها تعلم ما كان ينتظرنا بعد خروجنا فأرادت أن تعيضنا بدغدغتها هذه ... " الشهادة لله لقد كانت لطيفة في تعاملها معنا ". ولكن سرعان ما بدأت المعاناة عندما صرفتنا لموظف بائس ضعيف حاله مثل حالي الآن ... حيث تلقفنا بلهفة ... بطريقة ترجمت حالة البؤس الذي كان فيه، وأحسست أنه يعتصرني بين يديه ويتحسسني بشدة مطبقا علينا ، وبرغم ذلك فقد شعرت بحنوه وعرفت أنها طريقته في إظهار الحنان ... وعندها وضعني في جيبه الداخلي ... فأحسست بدفء سرى في حنايا جسدي ... وسار مبتعداً واضعاً يده على جيبه زيادة في الحرص والاطمئنان ... وقد أحسست بدقات قلبه تعزف الألحان ... وكأنها سيمفونية رخيمة مختلطة الآلات والأوتار ، متداخلة كأنها مزيج من الفرح والأحزان من الضيق والراحة ... مرتبطة بحبل أفكاره المضطرب ... يسير مفكراً بصوت مرتفع ... مكلما نفسه واشية بمكنون ذاته ...

ما هي الطريقة المثلى لتوزيع الراتب؟ ... صاحب الدكان أبو موسى له تسعون ديناراً ... صاحب الدجاج أبو سليمان له ... له ... ماذا دجاج !!! .. لا أذكر أننا أكلنا الدجاج هذا الشهر ... ممكن .. يقلب أوراق الدفتر ...الحمد لله لا يوجد ... اللحام .. آآآآه أيتها اللحمة الحمراء كم أشتهيك .. مع تقليبه للأوراق .. لحمة ... لحمة ... نعم ها هو .. قبل اسبوع اشترت أم محمد نصف كيلو لحم ... ول .. ول ... والله ما شعرت بطعمها ... إيييييه يالله ... غيره ...

تتزايد دقات قلبه كلما زادت الديون المترتبة عليه ...

فاتورة الكهرباء ... يا فاتورة الكهرباء "يتغنى بها" والله لست أدري لماذا عشرة دنانير كهرباء ...
ثلاجة ما في ...
تلفزيون ما في ...
غسالة ما في ... الله أكبر غير هذه "النيونات" ما في ...
حتى "لمبة" حمراء ما في..." اللمبة الحمراء مصروفها من الكهرباء أكثر من النيون حسب المفهوم السائد "
المهم هذه عشرة دنانير للكهرباء ...

نأتي لفاتورة المياه ... " يبحث في جيوبه ويدندن عالمايا علمايا عالعين يا ملاية" ... هذه هي ... آه نسيت .. يجب مراجعة قسم العدادات في وزارة المياه هكذا طلب مني عندما اعترضت على قيمة الفاتورة الله أكبر مائة وخمسون ديناراً فاتورة المياه ... والله لو أنني أملك مزرعة ما صرفت نصف هذا المبلغ ... تحتاج إلى استدعاء وطوابع ورسوم .. عشرة دنانير للمراجعة .. " قديش صار يا حفيظ السلامة" ...

بحركة لا شعورية تسقط يده على جيبه يتحسسنا ... كنا بحاجة لمثل هذه اللفتة الكريمة من أبو محمد ... أحببنا أن نشعره أننا نقف إلى جواره ...
الحمد لله ... مال حلال ...

يرجع إلى حبل أفكاره المتقطع ...
أين وصلنا ... فاتورة المياه تعديناها ... الخضروات ... الآن سأجد أبو سليم واقفاً على باب الدكان ينتظرني ... الله يتوب علينا من لسانه "الزفر" ... المهم كم له ...
يبحث في طيّات الدفتر البالي ... والذي تقطعت أوراقه من كثرة التقليب والتدقيق والشد ...

أبو سليم له خمس وثلاثون ديناراً ... من أيضاً ... خمس دنانير أخذتها زوجتي من جارتها لزيارة جارة أخرى رزقها الله ولداً قبل عشرة ايام ... أولادك أولى بالخمس دنانير يا أم محمد ... "همهمة غير مفهومة" ... الله المستعان ... هذه خمس دنانير "مش ناقصنا لسان المرة كمان " ...

والمدارس يا أبو محمد هل نسيتها ؟!!... تتوقف النبضات بالشرايين للحظات ...
بِتُّ أخشى على هذا الرجل أن تصيبه جلطة لا قدر الله ... يتمالك نفسه ... يلتقط بعض الأنفاس ويتابع الشريط حاثّاً خطاه ...

محمد هذه السنة يريد أن يدخل الجامعة ويحتاج إلى رسوم ...
- الرسوم باهظة ... لا أقوى على هذا القسط ... من أين سآتي بهذا المبلغ الكبير ...
- يعني ضروري يتعلم ... دعه يعمل ويساعدك في مصروف البيت ...
- لا .. لا سأدعه يدرس ولو اضطررت أن أشحد الملح ...
- من أين يا حسرة ...

-سيدبرها من يحسن التدبير ... رافعا يديه للسماء يا رب ....
- ونعم بالله ...

تتساقط الدموع من عينيه ... يتبعها نشيج متقطع ... يتلفت حوله ، ينتبه لنفسه ، لا لم يره أحد .. يمسح الدموع من عينيه ويتابع المسير ... يرجع إلى الدفتر ويُعْمِلُ التفكير ...

مها في "التوجيهي" هذا العام تحتاج إلى رسوم وكتب ومواصلات وملابس جديدة ...
- يعني ضروري البنت تتعلم ... يكفي أنها تقرأ وتكتب ... مصيرها إلى بيت زوجها ...
- نعم ضروري .. أنا أريد لكل أبنائي أن يتعلموا ... فأنا لم يعلمني والدي وأعرف معنى أن يكون الإنسان متعلماً فحال المتعلم مؤكداً ليس كحالتي "ينظر إلى هندامه" ... ثم إنَّ البنت ليست أقل من الولد ... كل أولادي عندي سواء ... اللهم مكنِّي أن أكون على قدر المسؤولية ...

كامل الصغير يريد ملابس رياضية... وعدته أن أشتريها له الشهر الماضي ... لقد بكى كثيراً عندما علم أنِّي لن أشتريها له وقال لأمه : المعلم يخرجني من الملعب ولا يشركني في اللعب مع الأولاد لأني لا ألبس ملابس رياضية ... سأشتريها له ... سأبقى عند وعدي له ولن أجعل المعلم يحرجه بعد اليوم ...

أما هذه الأمورة الصغيرة " ترتعش دقات قلبه فرحاً ".. إنها مؤنسته الوحيدة ... بدلعها ... إذ تستقبله عند عودته من العمل ... بابا ... بابا ... والله أنها تضفي للروح بشاشة ..." انفرجت أساريره " ...
- ماذا تريد الحلوة الأمورة ...
- " بدي لعبه زي هاي " ...
- كم ثمنها "يسأل البائع " ...
- سبع دنانير ...
يمد يده إلى جيبه ... كيف يرفض لها طلب ... لم يبق سوى ثلاث دنانير مصروف البيت لآخر الشهر ... ومع ذلك ...
- هل لك أن تبيعنا إياها بـ ثلاث دنانير "يخاطب البائع " ...
- والله يا أخي لم تأت برأس مالها ...
- يالله يا بابا ...
- "بدي اللعبة" وهي تبكي ...
- أخر الشهر يا روح بابا ...
تقطع قلبه وهو ينظر إليها تبكي حرقة ولوعة على العروسة "اللعبة" ...
-آخر الشهر يا بابا ... خلص يا بابا ... قطّعتي قلبي ....

اليوم سيشتريها ... الآن سيشتريها ... قبل أن يذهب لسداد الدائنين ...
يدخل الى محل الألعاب ... يتقدم من اللعبة بقوة ... ينزلها من على الرف ... يضع يده على جيبه المنتفخ ... يخرجنا ليعتصرنا بين يديه ... يقلبنا شمالاً ويميناً ... يخرج من بيننا سبعة دنانير ويقذفها أمام البائع على الطاولة والبائع مشدوهاً ويخرج بنا واللعبة بين يديه كأنما ملك الدنيا وما فيها ...

......

حزنت لفراق رفاقي السبعة ... حيث ودعنا بعضنا من بعيد ... غلبني حب الفضول المصاحب للشفقة على أبي محمد لذلك حمدت الله أنني لم أكن بين رفاقي من الدنانير الذين أصبحوا في عهدة رجل آخر الله أعلم ما ينتظرهم من مصير وهل نعود ونلتقي في يوم من الأيام أم لا لقاء بعد اليوم ...

ماذا بقي في جعبتك يا أبا محمد ....

نسي أبو محمد كل شيء ... أصبح همه أن يصل إلى ابنته الأمورة الغالية ... كانت دقات قلبه أسرع من خطواته للوصول إليها ... دفع الباب بسرعة ... أمينة ... أمينة ...

- أين أمينة يا أم محمد ...
- نائمة هناك ... المسكينة "استوت" اليوم من الحرارة ...
- لماذا ؟ ما بها أمينة ؟ ...

أصابنا اهتزاز عنيف .. وضعنا أصابعنا على آذاننا من شدة ضربات قلبه ... تسارعت دقات قلبه أكثر ... قلوبنا تعلقت بقلبه ...

- بابا حبيبتي كلميني " يضع يده على رأسها " ...
- يا مستورة هذه حرارتها عالية ...
- من الصباح وهي على هذا الحال ...
- ولماذا لم ترسليها للدكتور؟!! ...
- أنت تعرف لا يوجد في البيت " إللي ترن " ...
- ول ... ول يا "حرمة" كان دبرت الأمر من هنا أو من هناك ... ما علينا ... يالله يا بابا ... دعينا نأخذها إلى الدكتور ...
- ألا تريد أن تأكل ؟؟ ...
- والله ما ظل لي نفس في الأكل ...
- قولتك .. في الأصل لا يوجد شيء تأكله " مِمِحْله " ...

عند ذهاب زوجته لكي ترتدي ملابسها نظر أبو محمد إلى وجه ابنته الملائكي وبدأت الدموع تنهمر من عينيه ... نظرت إلى رفاقي كانت وجوههم كئيبة .. حزينة ... كلنا كنا نشعر معه ... أحسست بقلوب رفاقي المتقمصين فئة الخمسة دنانير تدق بشكل فظيع ... خشيت عليهم ...
- ما بالكم ؟؟!!! ...
- نحن لا نتحمل مثل هذه المناظر الحزينة ...
- وكيف تقولون ذلك؟ هل سبق أن رأيتم " انتبهت إلى أنهم لم يكونوا من المواليد " الجدد " معذرة كنت أظنكم حديثي الولادة ...
- لا عليك يا أخ فإنّ لنا تجارب كثيرة مع الانسان ...
- هل شاهدتم مثل هذا المنظر من قبل ؟؟ "بتلهف " ...
-نعم .. لقد رأينا ... ورأينا أشد من هذا المنظر ... ولكنّا وبصراحة لم نجد مثل هذا القلب الذي يلاصقنا ...
- أنظروا ... أنظروا إلى وجهه وإلى عينيه ....
- إنه يضم اللعبة إلى صدره ويبكي ...

- افتحي عينيك يا بابا ... أنظري ماذا أحضرت لك ... يا عمري ... يا بابا افتحي عينيك ....
تفتح أمينة عينيها بتثاقل شديد مع همهمات لم نفهم معناها ... مدت يدها نحو والدها ... لمس يدها بيد وبالأخرى قدم لها اللعبة ...

- انظري يا بابا ما أحلى هذه العروسة ... أنا وعدتك أن أحضرها لك وها أنا وقبل كل الناس آتيك بها ... كل الدنيا لا تساوى دمعة من عينيك يا بابا " يمسح الدموع من عينيها "
تنظر أمينة إلى أبيها تارة وإلى عروستها تارة أخرى ... تبتسم ... تخبو الابتسامة بمرارة الألم .. تضم عروستها إلى صدرها وتغمض عينيها دون كلام ..

تنهمر الدموع من عيوننا ... يا الله وجهها ملائكي ... ما أجملها أمينة ... يحق لأبي محمد أن ينفظر قلبه لمرآها على هذه الحال ... كنا نتمنى أن نرى فرحتها وهي مندفعة إلى أبيها تركض إليه ليحتضنها ويقبلها ... تمثل لنا هذا المنظر من كثرة ما كان يجول في خاطر أبي محمد ...
شيء ما يسيل على ظهري ... نظرت بطرف عيني ... إنهم هم ... رفاقي المتقمسون فئة الخمسة دنانير يبكون ويذرفون دموعا أحسست بحرقتها على ظهري ... يا الله ... أسألك ربي أن ترحم هذه الطفلة الصغيرة وأن تعيد البسمة إلى وجهها وأن تقر عين أبيها وتعطيه على قدر نيته ... استجابت كل الدنانير لهذا الدعاء بصوت واحد:
" آميييييييييييييييين " ...


- يالله يا مستورة ... "خلصينا" ... دعينا نلحق الدكتور ... قومي يا بابا ... قومي ...
يداها تلتف حول عنقه وخدها يحاذي خده ... يا الله إنها تقترب منا ... أصبح المكان أشد ظلاماً ... ولكننا فرحنا جميعاً بهذا القلب الصغير الطاهر .. أصبحنا نسمع دقات قلبها امتزجت بدقات قلبه وقلوبنا احترقت بينهما .... يا رب ... كم أنت رحيم ... ما أدفأ هذه العلاقة ... هذا الترابط ... هذا التلاحم ... ازدادت الدموع انهماراً ....

ارتجفت أوصال أبي محمد وهو يتحسس حرارة جسمها خوفاً عليها ... يخرج مسرعاً تلحقه أم محمد وهي تضع المنديل على رأسها وتصرخ خلفه:

- على مهلك يا " زلمه " ....
- "تكسي" ... "تكسي " ...
- ما هذا ؟ نحن في عز ... كل يوم تمرض أمينة حتى نركب تكسي !!!....
" بعيد الشر عنها " ... والله كنوز الدنيا كلها لا أبدلها بأظافرها ....

يتلفت أبو محمد يميناً وشمالاً ... نظراته تخترق شوارع الحي بحثناً عن سيارة أجرة ... " قليلاً ما تأتي سيارات "التكسي" إلى هذا الحي " ... يتحرك بكل قوته باتجاه الشارع الرئيسي وأم محمد تتعثر في ثوبها خلفه تحاول أن تلحق به وهي تصرخ :

- على مهلك يا رجال ...
- هذه سيارة أجرة " تكسي " ... " تكسي" ...
- إلى أين تريدون الذهاب "سائق التكسي" ...
- إلى المستشفى " وهو يضع رجله داخل السيارة " ...
- ليست من طريقي ... ابحث عن سيارة أخرى ...
- اتق الله يا رجل ... البنت تغلي من الحرارة ... توكل على الله ... أوصلنا إلى المستشفى بسرعة ... " يأخذ مكانه وأم محمد داخل السيارة " ...
- يا راجل قلبك ميت ... أسرع ... أسرع ...
- على مهلك على " الزلمه " يا أبو محمد ... سوق يا عمي على راحتك الدنيا مش طايرة ... نصل بمريض واحد أفضل من أن نصل بأربعة أموات ...
- آآآآه .. انا عارف إنك تغارين منها ... من لهفتي عليها ...
- صلي على النبي يا أبا محمد ... هذا الكلام ما " بنحكى " أنا أغار من بنتي !!!! ... ول ... ول يا هالرجال عقولكم ناقصة ... " السائق يبتسم " ...

بات جسد أبو محمد يغلي مما جعلنا أنا ورفاقي من الدنانير متأثرين والعرق يتصبب منا لنصبح أكثر التصاقاً ... رائحتنا أصبحت كريهة ونحتاج إلى حمام ساخن ...
أبو محمد يخترق باب المستشفى بسرعة ... يقف أمام موظفة الاستقبال ...

- هذا مستشفى خاص يا أبو محمد " أم محمد تهمس في أذنه " ...

لا ينظر إليها ... لم يعد يفكر بالنقود .. المهم أمينة ... ثم أن المستشفيات العامة تميت القلب .. انتظار .. ساعات طوال ... وآخر الأمر الدواء لا يتغير ... أغلب الحالات يصرف نفس الدواء ...

- كشفية عشرة دنانير يا عم " موظفة الاستقبال" ...

يرجع لنفسه ... عشرة دنانير ... لم أحسب حسابها ... ينظر إلى ابنته تئن وتتلوى بين يديه ... كنوز الدنيا لا تعدل دمعة من عينيك يا بابا ...
يمد يده إلى جيبه يتحسسنا بتوتر ملحوظ ... يخرجنا ... يحاول أن يفرقنا عن بعضنا البعض ... أشعر بقرصة خفيفة ... أظافره على جسمي ... أدعو الله أن لا أكون أنا المقصود .. ينتقل إلى رفاقي المتقمصي فئة الخمسة دنانير ويتعداهم ويقفز بأصابعه إلى مجموعة الرفاق متقمصي فئة العشرة دنانير بدا الهلع على وجوههم عندما توقف عندهم ... أشفقنا عليهم لأنهم كانوا يريدون البقاء معنا رغم ما نعانيه من ضيق وعرق ورائحة كريهة إلا أنه تناولهم ومد يده بهم إلى موظفة الاستقبال وأرجعنا نحن إلى مكاننا آمنين ... تناولتهم بأطراف أصابعها ووضعتهم في درج المكتب وأغلقت عليهم بسرعة وتأفف واضح ...

ليس هناك وقت لكي يعطيها أبو محمد " دش " بهدلة ... فهي لا تعرف أن العرق المتصبب من العشرة دنانير إنما هو نتاج عرقه وتعبه وسهره الليالي ... إنه مال حلال ... هكذا كان يردد دائما ً... تعطيه الوصل وتشير بيدها إلى عيادة الطبيب ...

يدخل أبو محمد إلى العيادة بسرعة وهو يصرخ أين الدكتور ... أين الدكتور ... أين الدكتور ...
............

- أعطني الوصل وارتاح إلى أن يأتي دورك "الممرضة" ...

تجلس أم محمد وهو يبقى واقفاً ... ضاماً إليه ابنته أمينة ... مهدهداً إياها ... كيف يستطيع أن يقعد ... كيف يرتاح وأمينة ليست مرتاحة ...
- أقعد يا "زلمه" أي والله هاي الطراوة " تأخذ أم محمد نفساً عميقاً " ... آآآه ما أحلى " الكنديشن" ...
- ينظر إليها أبو محمد ثم يُلحق نظره إلى الباب الذي تخرج منه الممرضة ويقول لها أين الدكتور يا ابنتي ... البنت تعبانة كثير ...
- سلامتها يا عم .. انتظر قليلاً إلى أن يأتي دورك ...
- مستشفى خاص وهيك !!!!....
- لو سمحت بدون إزعاج ... الدكتور يفحص مريض في الداخل ...

نافخاً متأففاً يذرع الصالة جيئة وذهاباً .. ينظر إلى باب العيادة تارة وتارة أخرى تحتوي عيناه طفلته الراقدة بين يديه تئن بلا حراك ....

- يا أخي لو سمحت إجلس "الممرضة " ...
- أي هو أنا واقف على قلبك ....
- على مهلك على الممرضة " تقترب منه أم محمد " ناولني البنت ...
- " ينفض يديها بعصبية ظاهرة " دعيها في حضني ...
- هو ما في أحد خايف عليها مثلك ...
- لو أنك تخافين عليها لكنت أحضرتها إلى الدكتور من الصباح ...
- أنت تعلم أنه لا يوجد في البيت نقود ...
- كان ممكن أن تقترضي من جارتك كما فعلت عندما ذهبت لزيارة جارتك الولادة " ينتصر لنفسه وينظر إليها بعنف " ...

ترجع أم محمد إلى مكانها تتمتم بكلمات لم يفهم ما قالت ... يذرع الغرفة جيئة وذهاباً ... يفتح باب العيادة فجأة مع خروج المريض فيندفع إلى الباب صائحاً دكتور ... دكتور ... دكتور ... الحقني يا دكتور ... تدخل الممرضة ورائه مسرعة ...

- عفواً دكتور ... أنا آسفة ... غصب عني ....
- ليس مهماً .. إذهبي أنت ... خير .. خير ما بها الأمورة الحلوة " وهو يضع يده على رأسها " ...
- " بتشرشر " عرق يا دكتور .. أنظر ... أنظر ....
- إكشف عن صدرها ...
- إبتعد ..إبتعد عني .. هذا عمل النسوان " قالت أم محمد داخلة باب العيادة " ...

يبدأ الدكتور في فحص أمينة ... أبو محمد يفرك يديه بشدة ... ينظر من فوق كتف أم محمد وهي تسهل للدكتور عملية نزع ملابس أمينة والدكتور يضع السماعة مرة على صدرها وأخرى على بطنها وينقر بأصابعه على خاصرتها ...

- ها ... ها يا دكتور ... طمني ...
- ما اسمها؟ .. " يجلس على المكتب ويمسك القلم " ...
- أمينة ... أمينة يا دكتور ... " شو في عندها يا دكتور" ...
- التهابات في الحلق ... ما في شي يخوف .... كم عمرها ؟ ....
- أربع سنوات ... الله يطمنك يا دكتور ....
- هذه تحاميل لتنزيل الحرارة مرتين في اليوم أو عند اللزوم ...
- وهذا مضاد حيوي لكي يزيل التهاب الحلق ... ممنوعة من البارد وأهم شيء الآيس كريم "البوظة" ...
- على الطالع والنازل يا دكتور يشتري لها "بوظة " .. "أم محمد ترد الكيل كيلين " ...
- والله " بدك جنازة وتشبعي فيها لطم " ... ناولني يا دكتور.. ناولني ...
- الحمد لله على سلامتها " مع ابتسامة من الدكتور " ...
- الله يسلمك يا دكتور ...

يخرج أبو محمد من العيادة أكثر هدوءاً منه عند الدخول ... ارتاحت أساريره ... يقبل وجنتي ابنته بشغف كبير ... ويشد رجليه بسرعة متجهاً إلى الصيدلية ... تحاول أم محمد اللحاق به وهي تعدل منديلها ... تمسك بطرف ثوبها وتركض في ممرات المستشفى محاولة اللحاق بأبي محمد ....

كنا أنا ورفاقي من الدنانير في تلك الأثناء قد تنفسنا الصعداء بعد تلك المعاناة التي قادنا إليها أبو محمد وهدأت أنفسنا تبعاً لهدوء راعينا ... وأخذ العرق يجف قليلاً عن أجسامنا بإضطراد مع جفاف العرق عن جسد أبي محمد ... نظرت إلى رفاقي من الدنانير فرأيت الابتسامة تعلو وجوههم وتعانقنا طويلاً ونحن نقول لبعضنا البعض الحمد لله على سلامة أمينة ونظرت إلى رفاقي متقمصي فئة الخمسة دنانير فوجدتهم يبكون قلت لهم :

- ما يبكيكم أيها الأعزاء ...
- نبكي فرحاً لنجاة أمينة ...
- لماذا؟ ألم تكونوا تعرفون بأنها سوف تشفى ...
- وكيف لنا ان نعرف ...
- ألم يحصل في حياتكم أن علمتم أنّ أحد ما قد أصيب بمرض ؟
- نعم يا أخانا ولكن هناك أمراض كثيرة ومختلفة ...
- كثيرة ومختلفة ؟؟؟؟؟؟؟
- نعم .. نعم ... هناك أمراض صغيرة وهناك أمراض كبيرة ...
- وما الفرق بينهم ؟ ...
- يمكن للأمراض الكبيرة أن تفتك بالإنسان ويموت ...
- وماذا يعني الموت ...
- هذه الحالة عكس حالة الولادة ... يصبح الإنسان كأنه ليس موجوداً ...
- وكيف ليس موجوداً ؟؟؟!!!!! ....
- هذه قصة تحتاج إلى دروس كثيرة " ابتسامة خفيفة " ... ولكن الحياة هي التي ستعلمك ما معنى الموت ....

أحسست بخوف شديد لما صدر عن رفاقي من كلام وعلمت أن هناك شيء مخيف سيواجهني في يوم من الأيام ... دعوت الله أن يخفف عني مصائب هذه الحياة وأن لا يريني ما أكره ....

يتعثر أبو محمد في مشيته ويكاد أن يقع ....

- على مهلك يا رجل على " شو " مستعجل ...
- أريد ان ألحق الصيدلية " متلفتاً يبحث عن الصيدلية " ...
- " شوف قدامك " يا راجل دعمت " الحرمة " ... آسفين يا أختي ... آسفين ...
- أريدها أن تشفى بسرعة ... أين الصيدلية ؟ يسأل السكرتيرة ... تشير له بيدها ... يلحق وجهة يدها بسرعة ...
- نشتري من حارتنا يا أبو محمد ...
- لا .. لا .. من هنا أضمن يا " مرحومة الوالدين " ...
- بالله يا عمو إصرفي لي هذه " الروشيته" يمد يده إلى موظفة الصيدلية ....
- تنظر إلى " الوصفة الصبية وتبدأ في إحضار الدواء ...
- إن شاء الله " مش " غالي يا عمو ...
- بسيطة عمو بعمل لك خصم " تحسب على الآلة الحاسبة " ... تسع دنانير بعد الخصم يصبح المجموع ثمان دنانير ونصف ...
- " ول .. ول ... وشو السيرة " ...
- ولا يهمك عمو خليه على حسابي ...
- الله يسلمك يا عمو " ما في إشي ببلاش غير العمى والطراش " ...
- " تناوله الدواء مع ابتسامة خفيفة " .. تفضل ...
- يزيد فضلك يا بنتي ...

يضع يده في جيبه ... فزعنا من هول الموقف ... هل يريد أن يتخلص منا ... من سيذهب فداءً في سبيل أن تشفى أمينة تطوع رفاقي وقالوا نحن وبرزوا من بيننا بكل شهامة وعيونهم تترقرق بالدموع لفراقنا ... نظروا إلى شذرا وأشاروا لي بأعينهم وكأنها تطبق علي لكي يكون آخر شيء يرونه هو صورتي وفعلت مثلهم وقلبي يتفطر ألماً على فراقهم ... بقي هناك ثلاثة دنانير ونصف .. بحث أبو محمد وكنت في تلك اللحظة أحاول أن أبتعد عن مرمى يديه وكوني جديد فقد تخطاني وذهب يبحث عن غيرى ولكنه لم يجد فما كان منه إلا أن انتزع من بيننا اخوة آخرين ممن تقمصوا فئة الخمسة دنانير وأعطاهم لموظفة الصيدلية ... أخذتهم وأرجعت له ديناراً ونصف الدينار ... مد يده وألقى بهما بيننا ... زواراً جدداً حلّوا علينا ...

- أهلاً وسهلاً بكم بيننا ...
- حياك الله يا أخي " الدينار الجديد يتمطى " ...
- المعذرة فقد كنت نائماً منذ الصباح الباكر وها أنا أتفاجأ بكم ... أين أنا ؟ ...
- إنك في أحضان دافئة ... إنك في جيب أبي محمد ...
- أبو محمد ... أبو العبد ... أبو اسماعيل ... لا يهم ... كلهم في الهم سواء ...
- لماذا ؟ ألم تواجه في حياتك سوى أصحاب الهموم ؟ ألم يكن في حياتك فرح ؟ ألم تصادف أصحاب الفرح من الناس ؟ ...
- يا أخي أصحاب الفرح والحبور لا يملكوننا فهم لا يملكون سوى الشيكات والكمبيالات ... أما نحن فاختصاصنا للفقراء فقط ... نادراً ما ندخل جيب أحد هؤلاء الأغنياء ... ولو حصل ذلك فلن ندوم هناك طويلاً فسنرجع بسرعة إلى جيوب الفقراء ...

نظرت إلى النصف دينار وهو نائم ومتكور على نفسه وضحكت ... نظر الدينار إلى حيث أنظر وقال : مسكين " عايش ملطشه " ... ضحكنا كلنا وكانت أول مرة نضحك فيها مع بعضنا البعض ... يبدو أن صاحبنا الدينار الجديد صاحب نكتة وسوف نرتاح مع بعضنا البعض ...

- ألم أقل لك أن نذهب إلى المستشفى الحكومي " كلها دكترة بـ دكترة "
- أيْ أنا عارف يا أم محمد ... " هاي" أمينة ... أمينة الغالية يا أم محمد ...
- يسلم غاليك يا أبو عيالي ... هذا لو تجلس في البيت اسبوع زمان " شو " رايح تعمل ... لو كل واحد " بدك توديه " هيك على مستشفيات خاصة " أي والله بدك راتبين مثل راتبك ما بكفيهم دكترة " ...
- الله يعطيك العافية يا أم محمد " مبتسماً " ...
- أهه ... هيك من الأول يا أبو عيالي ...
يضحك الإثنان ويتابعان المسير ... يدخل البيت فإذا بالطوفان يتلقفه ... أين قسط المدرسة ... أين القميص الجديد ... أين ملابس الرياضة ... أريد ثمن دفاتر عربي وانجليزي ورياضيات ... " بدي " مسطرة وقلم ومحاية ...

- على مهلكم على أبوكم يا أولاد ... " خلوه " يرتاح " شوي " ...
- لا لا أريد ان أرتاح ... يخرج مسرعاً ...
- " وين رايح " ...
- أريد أن آتي بنصف كيلو لحمة " بدي اطبشها " اليوم ... ما في " حدا " أحسن من " حدا" ...

يتقافز الأولاد حول أمهم فرحاً وابتهاجاً ... ينظر أبو محمد بطرف عينه وهو يخترق الباب إلى أمينة فيجدها ما زالت تضم عروستها إلى صدرها تشق وجهها ابتسامة تشوبها مسحة من الألم تنظر إليه ... يبتسم لها بمرارة ...

- لا تنسي أن تعطيها الدواء يا أم محمد ...
- حاضر يا " خوي" ... توكل على الله ...

الله بعين ... والله هذه الحياة " ما بتساوى قشرة بصلة " يحدث نفسه ... أي والله ضحكتها بتمسح كل هم عن صدري ...
ما زال أبو محمد يحدث نفسه وهو بين وقت لآخر يخرجنا من جيبه وينتزع من بيننا عشرة دنانير ... خمسة دنانير ... البقال ... اللحام ... أبو سليم أهم شيء نخلص من لسانه ... كنا نودع بعضنا بعضاً وقد علمنا أن النهاية باتت قاب قوسين أو أدنى وبدأ كل منا يحضر نفسه لهذا الأمر ... نودع بعضنا بعضاً بسرعة لأن الوقت لا يسمح ... فالكل يفتح يديه استقبالاً لأبي محمد ... في كل مرة يخرج من جيبه النقود ينظر إلينا ويودعنا بحسرة وألم وتنزل دموعه تبللنا بحرارة الفراق ... يترائى له وجه أمينة تبتسم بتلك المسحة من الألم وهي تودعه بعينيها فيقول لنفسه ويحدثنا لأول مرة يعز علي فراقكم ولكن الله المستعان ... ستفرج إن شاء الله ... " بعوض الله " ... "بسترها رب العالمين" ...

انتبه أبو محمد إلى نفسه وهو راجع إلى البيت ويحمل في يده نصف كيلو اللحم ومد يده في جيبه كنت أنا وحدي في جيبه حزين كئيب دموعي تنهمر ... وضع يده على ظهري ... أخرجني ... توقف هنيهة ... نظرت إلى وجهه ... كانت الدموع تترقرق في عينيه من جديد ... أشفقت عليه وتمنيت أن أقطع مئة قطعة لتوزع على باقي متطلبات بيت أبو محمد ... نظر إليّ ملياً ... وكأنه قرأ ما في خاطري ... تذكر طلبات الأولاد ... قسط الجامعة ... المدرسة ... ملابس الرياضة ... الدفاتر ... الأقلام ... المساطر ... مصروف البيت إلى آخر الشهر ... أغمض عينيه ... سالت دمعة ... سقطت فوق جسدي حرى ....

بكى كل الدنانير ...
بكوا شوقاً إليه ... ودعوا الله خالصاً أن ينعم عليهم ويصلون إلى جيب أبي محمد ....

...... انتهى