للحديث بقية من عشق وحياة (3)


خليل


وطن


أيُّ وطنٍ هذا الذي تَعْرِفه وَتَتَبَجَحُ بِالحَديثِ عَنْهُ ، وَأنْتَ تَعْصُره لَيلَ نَهار عَلى مَوائدِ التَصَهْيُن والعَمَالَة ، وإنْ غُلِّفَت بِمُسَمَيات عَصْريَّة مُحَبَبَة لِمُجْتَمَعِكَ الْدَولِي الخاص،

وَلِشَرْعِيَتِكَ الدَوْلِيَّة المُتَهالِكَة عَلى أَعْتاب بَنِي صَهْيُون؛ تَسْتَجْدِي العَفْوَ وَالْسَماح عَنْ تَساهُلَها بِالجُلوسِ مَعَكُم عَلى طَاوِلَةٍ وَاحِدة ...

أيُّ وَطَنٍ هَذا الذي تَبِيْعَهُ لَيْل نَهار في أسْواق النِخَاسَة ، وعِنْدَ أقْدامِ الزُعَمَاء الحَالِمِيْن بِعَوْدَة الحَياة لِعَصْر الْتَمَلُك والاسْتِعْمار ،

وَلا يُؤرقُ أحلامَهُم إلا بَقِيَةٌ مِنَ التَنازُلات مِنْ أمْثالِكَ ؛ فَأنْتُم تُطيْلُونَ المَسافَةَ بَيْنَ أحلامِهم وَقَراراتِهم المُؤجَلَة في تَقاسُم الغَنيْمَة ...


غنيمة

هي غَنيْمَةٌ والله أنْ نَستَيقِظَ مَع صَباحاتِ الوَطَن الجَميْل، فَلا نَسْمَع لَكَ ذِكْراً ،ولا لأَمْثالِك مِنَ الذينَ باعُوا الغالي وَالرَخيْص بِأَبْخَس الأثمان ،

وَمَع ذلك يَنْعَتونَكم بِألقاب السَلام وَالرُقي والحَضارَة ، وَغَيْرِها من المُسَمَيَات الّتي ما عادَت تُنْجيْنا مِنَ الهَلاكِ ، وَلا مِنْ تَهافُتِ الحَثالات ،

وَلا مِن التَنازُلات ، وَتَمُنُونَ عَليْنا بِقَوْلِكُم : اشْكُروا الله أَنْ وَهَبَكُم رَئيْساً مِنْ الرُؤسَاء ...


رئيس

أيُّها الرَجُل القابِع بَيْنَ دَفَتَيْ كِتاب لا تَعْرِفُ أوَلَهُ مِنْ آخِره

ولا يَقْطُرُ مِنْ بَيْن صَفَحاتِه إلا عَارٌ وَشَنارٌ وَذِلَّةٌ في الليل والنهار

لا عَليْك مِنْ أُمِّ أحْمد فَقَد سَلَّمَت أمْرَها إلى الله

لكنَّها قَبْلَ أنْ تَضَعَ رَأسَها عَلى وِسادَتها المَصْنُوعَة مِنَ القَش

دَعَت دَعْوَةً خَرَجَت تَسْبِقُ ظُلْماً

لَمْ يَكُنْ بَيْنَها وَبَيْنَهُ حِجاب

وَأمَّنَت عَلَيْها بَقِيَةُ الجَارات وَأنَا مَعَهُنَّ قُلت آميييين ...


اسمع يا رئيس :

نيرون قَتَل شَعبَهُ وَأُمَهُ وَأباهُ

وَأخْتَهَ وَأخاهُ

وَزَوجَتَهُ وَمُعَلِّمَهُ الذي رَباه (وَنِعْمَ التَربِيَة)

حَرَقَ رُوما ، مَاتَ أو انْتَحَرَ ، سِيانَ عِنْدِي فَقَدْ بَقِيَتْ رُوما ..

مَا رَأيُكَ يا رئيس ، هَلْ سَتَبْقى أنْتَ أمْ سَتَبْقَى فِلَسْطيْن ؟!!!


هَلْ أثْقَلْتُ عَلَيْكَ أيُها الرَئيْس ؟!

هَلْ أنا قَاطِعُ رَحِمٍ إنْ نَبَذتُكَ مِنْ قامُوسِ عُرُوبَتي وَعُنْفُوانِي؟!



على كُلِ حَال لاعَليْك يا رئيسْ

سَأتْرُكك تَمْرَح وَتَلعَب بَيْن أرْوِقَةِ المُجْتَمَع الدَوْلِي

تَتَراشَقُونَ الخُطَبَ وَالكَلِمات وَالأنْخَاب ، وَتُلَوِنونَ وُجُوهَكُم بِالابْتِساماتِ ،

وَتَرْسُمُونَ خارطةً أُخرى للطريقِ ، مع أني لا أعْرِفُ عَن أيِ طَريقٍ تَتَحَدَّثُون ..

سَأتْرُكَكَ تُلاحِي وَجْهَ صَاحِبَكَ الأسْوَد تَطْمَعٌ في بَياضِ قَلْبِهِ ، وَتناجِي وَجْهَ صَاحِبَكَ الأصْفَر تَرقُبُ فُتَات ..

أما أنا فسأكون عِند أم العَبد أجلسُ على المَسْطَبَة أمامَ بَيْتِها المُتَوَشِّح بِرُطُوبَة المَكان عِنْد الغُروب

أتَذَوَقُ طَعْمَ البُن بِفُنْجانٍ عُبِّقَ بِدِماءِ مَنْ رَشَفُوهُ مِنْ قَبْلِي ، وَسَأُحَدِّثها كَالعَادَة وَتُحَدِثني عَن مُحيي

وَشحادة وَرَنْتيْسي وَأبُو شَنَب وَمَقادمة كَانَ يَجْلِسُ عِنْد رِجْلَيْها يَرْتَشِفُ فُنْجانَهُ مُعَتَّقاً بِدِماءِ مَنْ سَبَقُوه

وَسَأُكَلِّمَها عَنْ حَنيْني لأنْ أَعْرِفَ مَنْ سَيَشْرَبُ الفُنْجان مِنْ بَعْدي ...


لا أكتمك حديثاً أيها الرئيس فَقَدْ وَعَدَتْني أنْ لا يُشْرَبَ مِنْ بَعْدي إلا لِمَن كَانَت يَداهُ نَظيفَتَان وَلَم تُصافِح يَهُودْ ...
 

للحديث بقية من عشق وحياة :::

يتبع

 

الصفحة الرئيسية لبقة الكتابات